شارك هذا المنشور

كما رأينا في المدونات السابقة، فإن المسيح هو الملك الظافر الذي يملك بسلطان على السماء والأرض. وقد أوكل إلى كنيسته مهمات واضحة، من بينها أن تُمضي قُدُمًا في تلمذة الأمم

من الواضح أن ملكوت المسيح يختلف، من نواحٍ عديدة، عن ممالكنا هنا على الأرض. ما طبيعة هذا الملكوت؟ وكيف يتفاعل مع عالمنا؟ ستحاول هذه المدونة استكشاف هذه الأسئلة

ملكوته ليس من هذا العالم

في يوحنا 18: 33-37 نجد يسوع واقفًا أمام بيلاطس. فيسأله بيلاطس إن كان هو ملك اليهود. وهنا نتابع حوارهما:

ثُمَّ دَخَلَ بِيلَاطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ ٱلْوِلَايَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: “أنْتَ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟”

أَجَابَهُ يَسُوعُ: “أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟”

أَجَابَهُ بِيلَاطُسُ: “أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟”

 أَجَابَ يَسُوعُ: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لَا أُسَلَّمَ إِلَى ٱلْيَهُودِ. وَلَكِنِ ٱلْآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا.”

فَقَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: “أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟”

أَجَابَ يَسُوعُ: “أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي”

أول ما ينبغي أن ندركه هو أن المسيح، وإن كان ملكًا على السماء والأرض معًا، فإن ملكوته ليس من هذا العالم. وفي تأمل لحوار يسوع مع بيلاطس، يُبرز العالِم في العهد الجديد، نيكولاس توماس رايت، تمييزًا واضحًا بقوله:

“من الواضح تمامًا في النص أن ملكوت يسوع لا يبدأ من هذا العالم. إنه ليس ملكوتًا أرضيًا، لكنه من أجل هذا العالم. مصدره من مكان آخر، لكنه موجَّه لهذا العالم.”

ملكوت المسيح ليس من هذا العالم، بل هو ملكوت السماوات. ومع ذلك، فهذا الملكوت مُعدٌّ لأجل هذا العالم. لقد أُقيم ملكوت المسيح بكماله في السماء، لكن مشيئته أن تنساب بعض ملامح هذا الملكوت—بطبيعته وثقافته—إلى عالمنا، لتغزو الأرض بنور السماء. صحيح أن اكتمال هذا الملكوت على الأرض لن يتحقق إلا بعودة المسيح، لكن أبكار هذا الملكوت يجب أن يُرَوْ ويُختبرو في حاضرنا اليوم. أليست هذه هي نية يسوع التي عبّر عنها عندما علّمنا أن نُصلّي بما نعرفه الآن بـ”الصلاة الربّانية”؟

يعلّم يسوع تلاميذه أن يصلّوا بهذه الكلمات: “ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض!”. فالمسيح لا يكتفي بالتعبير عن رجاء، بل يعلن توقُّعًا: أن يأتي ملكوته إلى الأرض. لهذا السبب كَلَّفَنا بالمأمورية العظمى. لكن ماذا يعني ذلك؟ إنه يريد أن تتم مشيئته كما في السماء كذلك على الأرض. هذا واضح ومباشر

في كنائس اليوم، حين نتحدث عن “الإنجيل”، فإننا غالبًا ما نقصد به “إنجيل الخلاص”، حياة يسوع، وموته، وقيامته، التي بها خلّصنا من الخطية والهلاك. ولا شك أن هذا خبر سار وعظيم

لكن عندما كان يسوع يكرز بـ”البشارة السارة”، لم يكن يشير فقط إلى الخلاص من الخطية، بل كان يتحدث عن إنجيل ملكوت الله. فعبارة “ملكوت الله” تكررت نحو 80 مرة في العهد الجديد. لقد جاء يسوع ليُعلن بداية حضور الملكوت

علّم يسوع أن ملكوت الله هو الإطار الذي نعيش فيه طاعتنا. أما عمله الخلاصي على الصليب، فهو الأساس الذي تُبنى عليه هذه الطاعة. وعندما تسلك الأمم بحسب وصايا المسيح، فإنها تُحقق جوهر الطاعة — لأن يسوع هو الملك!

ينبغي أن تجعل الشعوب من شريعة المسيح دستورًا لحياتها، وعندها ستظهر الثمار: حرية حقيقية، وعدالة مستقيمة، وسلام اجتماعي، وازدهار اقتصادي. ولهذا بالضبط كانت المأمورية العظمى دعوةً لتلمذة الأمم على مستوى الثقافة والحياة العامة، لا مجرد الأفراد. وهذا هو سبب انغماس الأمم في حقيقة الله، وضرورة تعليمها طاعة كل ما أمر به يسوع

كيف نُنفّذ المأمورية العظمى؟ هذا هو الموضوع الذي سنعالجه في التدوينة القادمة

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

ملحد يرفض أن يؤمن بالأدلة

يقول لك الملحد إن المسيحي يحتاج إلى الإيمان ليصدق بوجود الله، بينما هو كملحد يمتلك الأدلة العلمية، فلا حاجة عنده للإيمان. فالمسيحيون واليهود بحسب زعمه

...المزيد
المنظور العالمي

إن رفض الله هو رفضٌ لإنسانيتنا

نحن نُشوّش على إنسانيتنا، بل ونُهملها، عندما نرفض الله لقد كُشِفَت حقيقة وجود الله بوضوحٍ شديدٍ لدرجة أن من يرفضون الاعتراف به يُضطرون إلى كبت

...المزيد