شارك هذا المنشور

تُعدّ قصة يوسف في مصر من أعمق القصص في الكتب المقدسة، إذ تُعلّمنا درسًا قيّمًا في القيادة

في سفر التكوين 41، رأى فرعون حلمًا عجز الجميع عن تفسيره. ثم أُخبر عن سجين عبراني قادر على تفسير الحلم

وهكذا فسّر يوسف الحلم: سبع بقرات سمان وسبع بقرات عجاف ترمز إلى سبع سنوات من الخير والوفرة، يعقبها سبع سنوات من الجوع والمجاعة. وينطبق الأمر نفسه على الحلم الثاني الذي ظهر فيه سنابل القمح

يستخلص من هذه القصة مبدآن مهمان في القيادة

أولهما حكمة استشراف المستقبل والتخطيط له، وذلك بالادخار في هذه الحالة. كان لدى فرعون حكمة بالغة حين عيّن يوسف مسؤولًا عن مصر كلها. أدرك يوسف أنه للنجاة من المجاعة القادمة، كان عليهم ادخار وتخزين حبوب سنوات الوفرة ليأكلها الشعب في سنوات المجاعة

يُعدّ مبدأ الادخار، أو تأجيل الإشباع، يُعدّ من العطايا التي قدّمها اليهود للعالم، وقد كان سبب بركة وازدهار لكثير من الشعوب والأمم التي طبّقته

وقبل هذه المرحلة من التاريخ، كان الناس يعيشون يومًا بيوم، يستهلكون كل ما بين أيديهم. فإذا جاء عام وفير، انغمسوا في الاحتفال والإنفاق دون أي تفكير في الغد. وحتى يومنا هذا، لا يزال هذا الأسلوب في الحياة سببًا رئيسيًا للفقر. أمّا الذين يفهمون قيمة تأجيل الإشباع وحسن التدبير، فإنهم يدّخرون للمستقبل، وتكون فرصهم أكبر بكثير في تجنّب الفقر

تقول أخلاقيات العمل البروتستانتية أنه ينبغي علينا العمل بجد، والادخار قدر المستطاع، والعطاء بسخاء. وقد أدت هذه الممارسة، أكثر من أي شيء آخر، إلى الازدهار الاقتصادي

القيادة الحقيقية: إيثار الآخرين على الذات

يُجسد مبدأ القيادة الثاني، المستمد من قصة يوسف، سمةً أخرى من سمات القائد العظيم: التفكير في الآخرين قبل التفكير في الذات. فالقادة غير المتدينين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في شعوبهم

يُبرز المفكّر الثقافي اليهودي، ومقدم البرامج الإذاعية، ومفسر العهد القديم، دينيس براغر، هذه النقطة في تفسيره لسفر التكوين 37:41، “فَحَسُنَ ٱلْكَلَامُ فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَفِي عُيُونِ جَمِيعِ عَبِيدِهِ”، قال على إثرها:

إن إدراك فرعون فورًا أن أحلامه كانت عن مصر، لا عنه، يدل على عظمته كقائد. فالقادة العظماء يُقدّمون مصالح شعبهم على مصالحهم الشخصية. وهذا أحد أسباب ندرة القادة العظماء

وقد أقرّ براغر بمبدأ القيادة الخادمة. فالقائد العظيم خادم. يُقدّم القادة العظماء مصلحة الآخرين على مصلحتهم. وهو مبدأ علّمه يسوع ومارسه عمليًا

في إنجيل مرقس 37:10، يُخبر يسوع تلاميذه أنه متّجه إلى الموت. وبعد ذلك، يتقدّم اثنان منهم بطلب: “أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَٱلْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ”. أخبرهم للتو أنه سيموت، لكن عقولهم كانت مشغولة بالسلطة. تخيّلوه ملكًا سياسيًا يحرّر أورشليم بالقوة ويقيم مملكة أرضية، وأرادوا أن يكون لهم موقع النفوذ إلى جانبه. لقد كانوا يطلبون السلطة، لا الخدمة

نظرة العالم إلى القيادة مقلوبة

لقد كانوا مع يسوع ثلاث سنوات، شاهدوا حياته، ورأوا كيف كان يعامل الناس، واستمعوا إلى تعاليمه، ومع ذلك لم يفهموا. كانوا يظنون أن الملكوت يدور حول القوّة والسلطة. اغتاظ باقي التلاميذ الآخرون من تصرّف يعقوب ويوحنا، لأنهما سبقاهم إلى طلب النفوذ

ونقرأ ما حدث بعد ذلك في مرقس 10:42–45، حيث دعاهم يسوع وقال لهم: “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ ٱلَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ ٱلْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ.  فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا.  لِأَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.”

هنا يقارن يسوع بين العالم وملكوت الله. فالعالم ينظر إلى صاحب السلطة والنفوذ على أنه الأعظم. لكن يسوع قال إن لملكوت الله منظومة قيم مختلفة، بل معكوسة عن منظومة قيم العالم. في الحقيقة، ملكوت الله قائم على أسس سليمة، بينما منظومة قيم العالم معكوسة

هذا هو المبدأ الكتابي، ونموذج الملكوت – الخدمة. حيث قال يسوع: “لم يأتِ ابن الإنسان ليُخدَم بل ليَخدِم”. كان بإمكانه أن يأتي إلى قصر القيصر في روما ويطالب بأن يخدمه كل فرد في الإمبراطورية الرومانية. لكنه لم يأتِ من أجل السلطة أو النفوذ الدنيوي. بل جاء “ليَخدِم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين”. ملك الملوك، رب الأرباب، خادمٌ للجميع. لماذا؟ لأنه الله! والخدمة متأصلة منذ الأزل في صفات الله الحي

قال يسوع: فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ

العالم وملكوت الله يمثلان نظامي قيم مختلفين. فالعالم يرى أن من يملك أكبر عدد من الخدام على أنه الأعظم. “أريد أن أصبح رئيسًا للبلاد، رئيسًا لأكبر شركة.” أو “أريد أن أمتلك كنيسة كبيرة.” نحن نعبد المكانة والسلطة. في حين  يقول يسوع: “فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ.” أي أن القيادة الحقيقية، كما علّم يسوع، هي خدمة الآخرين

:وأدين بالفضل في تطوير هذا الموضوع لصديقي وشريكي في تأسيس تحالف تلمذة الأمم، الدكتور بوب موفيت، الذي قال

لأن يسوع كان مستعدًا طواعيةً وبكل تضحية ليكون خادمًا، رفعه الله إلى أعلى مراتب المجد. لقد مُنح أعلى منصب يمكن أن يُمنح. مُنح اسمًا يفوق كل اسم. وسيشهد كل لسان أن هذا الخادم هو الرب. هذا تمجيد يفوق ما ناله أو سيناله أي كائن آخر

لذلك، أكرم الله يسوع ورفعه إلى هذه المنزلة السامية، لأنه جسّد بالكامل ما قصده الله حين خلق الإنسان. فقد خلق الله الإنسان ليكون موجَّهًا نحو الآخرين، لا منغلقًا على ذاته. ويسوع عبّر بأسمى صورة عن صورة الله في الإنسان: خدمة طوعية قائمة على البذل والتضحية. وهذه هي أرقى وأعلى تجليات صورة الله

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

ما الذي يميز القيادة العظيمة؟

تُعدّ قصة يوسف في مصر من أعمق القصص في الكتب المقدسة، إذ تُعلّمنا درسًا قيّمًا في القيادة في سفر التكوين 41، رأى فرعون حلمًا عجز

...المزيد
المنظور العالمي

ملحد يرفض أن يؤمن بالأدلة

يقول لك الملحد إن المسيحي يحتاج إلى الإيمان ليصدق بوجود الله، بينما هو كملحد يمتلك الأدلة العلمية، فلا حاجة عنده للإيمان. فالمسيحيون واليهود بحسب زعمه

...المزيد