في ليلة باردة من ليالي فبراير في جبال الألب السويسرية، كان تساقط الثلج الخفيف يتسلل من النافذة. كنت أنا وزوجتي مارلين ضيفين على ديبورا وأودو ميدلمان. جلسنا عشرة أشخاص حول طاولة القهوة نشرب الشاي الإنجليزي من فناجين خزفية فاخرة. كانت الشمعة تومض على الطاولة، وكأنها ترقص على أنغام الموسيقى الكلاسيكية، مما أضفى على حديثنا رونقًا خاصًا. ثم تحدث أودو، وهو محامٍ ألماني
“دارو، أنت تعلم أن المسيحية حق حتى لو لم تؤمن بها!”
قلت بدهشة: ماذا؟
فأعاد قائلاً: “المسيحية حقّ حتى وإن لم تؤمن بها”
كانت هذه العبارة تناقض كل ما كنت أشعر به في داخلي؛ فقد نشأتُ على فكرة أن المسيحية حقّ، نابع من إيماني بها
لم أستطع النوم ليلتين متتاليتين. وأخيرًا، أدركت ما كان أودو يقصده. المسيحية حق حتى لو لم يؤمن بها أحد في العالم. المسيحية حق لأن الله موجود. إنها حق لأنها تتطابق مع الواقع. المسيحية حقٌّ مطلق
لقد ساعدني هذا الحوار على فهم مدى علمانية تفكيري. تقول العلمانية أنه لا وجود لإله، وبالتالي لا توجد حقيقة مطلقة؛ لكل شخص رأيه، وبالتالي يصبح ما تؤمن به هو الحق. مثلا إن كنت تؤمن ببوذا، فهو الحقّ بالنسبة لك. وإن كنت تؤمن بعدم وجود إله، فذلك يمثل الحقيقة بالنسبة لك. وإن آمنتَ بالإسلام، فذلك هو الحق بالنسبة لك. وإن آمنتَ بالمسيحية، فذلك هو الحق بالنسبة لك. نتيجة لكل هذا أدركتُ أنني كنت أتعامل مع المسيحية من خلال منظوري العلماني للعالم، لا كما هي في ذاتها؛ فكان قلبي قد خضع، أمّا ذهني فبقي غير متحوّل
لأن المسيحية حق، فالله هو المهيمن على كل شيء
أدركت أيضًا أنه إذا كانت المسيحية حقًّا مطلقًا، فإن الله يريد أن يتدخل في كل جوانب الحياة. كنت أشعر بالحزن على الفقراء والمحتاجين. لكنني أدركتُ الآن أن مجرد الرغبة في مساعدتهم لا تكفي. أراد الله أيضًا أن أمتلك فكر المسيح فيما يتعلق بدعوتي ورسالتي. أرادني أن أفكر وفقًا للكتاب المقدس. التفكير وفقًا للكتاب المقدس يعني إدراك أن الحق كونيّ. ينطبق هذا على جميع الثقافات، وهو مُلزِم لجميعها
لقد كان ليسلي نيوبيغن، رجل الدولة التبشيري العظيم، مُصيبًا حين قال: “إن الالتزام الجاد بالتبشير، أي بسرد القصة التي أُرسلت الكنيسة لترويها… هو تأكيدٌ للإنجيل لا بوصفه دعوةً إلى قرارٍ خاصّ وشخصيّ فحسب، بل كحقيقة عامة يجب الاعتراف بها كحقيقة في جميع جوانب حياة المجتمع.”[i]
ولأن الحقّ لا يستند إلى مشاعرنا أو خبراتنا، بل إلى الله، فهو حقٌّ ثابت، ومطلق، ومنطقي أي عقلانيّ ومعقول، ويمكن معرفته، ولو جزئيًا. الحقّ موضوعيّ، قائم بذاته، يظلّ قائمًا سواء آمن به أحد أم لم يؤمن. ويمكنك أن تميّز أن أحدهم يتبنى هذا المنظور حين تسمع أسئلة مثل: “هل هذا معقول؟” و”هل يتطابق مع الواقع؟”
كل الحقّ موجود في الله
الواقع، بطبيعة الحال، يدمج بين البُعد المادي والبُعد الروحي. الله موجود خارج الخليقة، ومع ذلك فالطبيعة حقيقية. إذن، فالحقّ موجود في الله وفي الخليقة معًا. إنه خارج عنا، مستقل عن إدراكاتنا المحدودة، التي تشمل حواسنا الخمس وعقلنا. ورغم أن أي ثقافة لم تُجسّد هذا الحقّ بشكل كامل، فإن النظرة الكتابية للعالم، بوصفها حقًّا شاملًا، تُقدّم الحكمة لكل مجال من مجالات الحياة. ومن هنا تصبح العلوم والتكنولوجيا، والفلسفة الأخلاقية للاقتصاد، والمجتمع المدني، والفلسفة الشاملة للتعليم، كلها ممكنة، في انتظار أن نكتشفها
لكن لسوء الحظ، سيطرت المناهج الذاتية. فبدلاً من أن نسأل: “هل هذا معقول؟” و”هل يتوافق مع الواقع؟”، يسأل المنظور الذاتي: “ما هو شعوري تجاهه؟” و”هل يُناسبني؟”. وبدل أن يكون هناك أساسٌ عقلاني لازدهار الإنسان، نجد أنفسنا فوق رمالٍ متحركة من العواطف والمشاعر والبراغماتية الخالصة. يكتشف الحقّ بشكل فردي، لا يتم الإقرار به كحقيقةً كونيّة. وبالتالي يبقى في خانة كونه مسألة رأي. وبطريقة مريحة للبعض، يتم إلغاء هذا النهج المُشخْصَن للحقّ أيَّ ضرورة للاتساق بين العالم المادي والعالم الروحي
وحده الإيمانُ الكتابيّ بالله يمنح الإحترام اللائق لكلٍّ من البُعد المادي والبُعد الروحي. وهو وحده يقدّم مجالًا معرفيًا موحّدًا. ففي إطاره تتكامل جميع الأجزاء في نمط متماسك لخدمة ملكوت الله المتنامي. ولهذا أدرك أسلافنا مكانةَ اللاهوت، فاعتبروه أمّ العلوم. فاللاهوت هو الأساس الذي تقوم عليه سائر مجالات المعرفة. إذ إن كل شيء يستمد معناه من علاقته بخالقه. وقد لاحظ هنري فان تيل أن “الثقافة هي الدين مُجسّدًا”. كانت هذه الحقيقة معروفة جيدًا قبل أن ينساها الجيل الحالي
الثقافة تنبع من عقيدة الشعوب
:يكتب المؤلف والخبير التربوي جورج غرانت
وفقًا لأوغسطين، الثقافة ليست انعكاسًا لعرق الشعب أو أصله أو سياسته أو لغته أو تراثه، بل هي تجسيد لعقيدة الشعب. بعبارة أخرى، الثقافة هي التعبير الزمني لإيمان الشعب
السبب الذي دفع أوغسطين إلى تكريس جزء كبير من حياته وخدمته لنقد الفلسفات الوثنية للعالم، وكشف انحرافات اللاهوت الكنسي، هو إدراكه التام لأهمية هذه الأمور، ليس فقط في عالم الأبدية، حيث تحدد المصير الروحي لجماهير من البشر، بل تؤثّر أيضًا في واقع الحياة الحاضرة، حيث تحدد المصير الزمني لحضارات بأكملها
وانطلاقًا من فكر أوغسطين، أدرك المصلحون أن الحياة كلها يجب أن تُعاش في حضرة الله. أما العلمانيون، فيجزئون الحياة ويحصرون الحقيقة في نطاق ضيق. ولأنهم يرون أن الله لا يمسك بزمام الأمور، فإن عالمهم يتفتت إلى ملايين القطع. مثل كرة تُرمى بعيدًا بقوة الطرد المركزي، فكل شيء يبتعد عن المركز
أما أصحاب المذهب الروحاني، الأنيميون، فلديهم مشكلة أخرى. فهم يحصرون الحياة كلها في إطار غير عقلاني، ويصبح الحقّ غير قابل للمعرفة. فتُسحب وجودياتنا إلى مركز نجم منهار، فينهار وجودنا داخل ثقب أسود من الجهل
وحدها النظرة الكتابية للعالم تستوعب الحقّ كما يحدده الله. والمسيحية

