يتمتع الفنانون بفرصة فريدة لتمجيد الله ومباركة العالم
فالله جميل، وجماله يجذبنا إلى عبادته. هو جميل وهو صالح، ومنه ينبع كل الحقّ. إن الحقّ والجمال والصلاح يشكّل معًا ثقافة ملكوت الله. والأمم تتوق إلى اختبار الله، والفنانون يساهمون في تحقيق ذلك
نرى هذا الأمر أيضًا في “دليل الحياة” الذي قدّمه الله للبشر، وهو الكتاب المقدس الذي يحمل مفتاح تغيير الأمم، ويبدأ بهذه الكلمات: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ”. قبل أن يوجد الكون، كان هناك خالق. وفي سفر التكوين 1: 1-2، نرى الله كفخّاري يعمل. بالتالي بإمكان الفنانين تمجيد الله ومباركة العالم
كيف يبدأ الفخّاري عمله؟ ممّ يبدأ؟ من كتلة طين بلا شكل ولا ملامح. ومن هذا الذي لا يحمل شكلا، يُخرج الشكل والبنية والجمال. الفخّاري البشري يحتاج إلى الطين ليبدأ عمله، أما الله فقد خلق الطين من العدم، وبكلمة منه خلق الكون.
وقبل أن يفعل ذلك، كان قد تصوّر الخليقة في ذهنه. فقد كان هذا الكون العظيم حاضرًا في فكر الله قبل أن يأتي إلى الوجود.
كل فنان بشري يُجسّد هذه الحقيقة في عمله. فقد يكون رسّامًا، أو كاتبًا، أو ملحّنًا، أو نحاتًا، أو بائع زهور؛ بل قد يكون “فنانًا” أيضًا بالمعنى الأوسع، كمن يبتكر طريقة جديدة لعملٍ جماعي فعّال، أو اختراعًا طبيًا، أو وسيلة تُخفّف من معاناة الإنسان. وعلى كل حال، هناك شيء يتكوّن في داخلك، وخيالك في حالة عمل دائم. نحن نتخيّل كما تخيّل الله الكون ثم خلقه. والابن، كلمة الله، هو الذي عبّر عن فكر الله ونطق به، فخرج الكون إلى الوجود بكلمته.
لقد خلق الله الإنسان على صورته، ومنحه خياله ليحلم أحلامًا واسعة. قد تؤلف لحنًا لم تسمعه أذن بشر من قبل، أو ترسم لوحة لم ترها عين إنسان من قبل.
العالم ليس غنيًا كما يمكن أن يكون، لأنه ما زال ينتظر إبداعك. إنه ينتظر منك أن تتعامل مع الكلمات، والنغمات الموسيقية، والألوان. أنت لست هنا فقط لتستهلك من الحديقة، بل لتوسّعها أيضًا. وكما نقرأ في سفر الرؤيا 26:20، فإن ثروات الأمم ستُحمل يومًا ما إلى مدينة الله.
لقد أُنتج بعض من أفضل أنواع النبيذ في العالم، ليس في جنة عدن، بل في تشيلي. وربما يُقدَّم نبيذ تشيلي، ونحت اليونان، وقهوة إثيوبيا، وطبق النيوكي الأوروغواياني، والمعكرونة الإيطالية، إلى أورشليم الجديدة. سنجد ثمار إتمام الإنسان للمهمة الثقافية تُقدَّم إلى مدينة الله في نهاية التاريخ، كهدايا للمسيح في يوم عُرسه، لتزيين بيتنا الأبدي. كل أمة ستجلب مجدها إلى أورشليم الجديدة، وستزيّن جدرانها بلوحات تمجد الله وتبارك العالم، وستجعل قاعاتها تتردد بالموسيقى.
هذا يعني، من بين أمور أخرى، أن ممارستنا للفن وإنتاجنا له ينبغي أن يكونا مُكرّسين للفنّان الأول، أي الله. فعندما كان يوهان سباستيان باخ يبدأ في تأليف إحدى مقطوعاته، كان يكتب في الهامش الأحرف: “ج. ج”، أي: يا يسوع، أعنّي. وعندما ينتهي منها، كان يدوّن الأحرف “إس دي جي”، وهي اختصار للعبارة اللاتينية Soli Deo Gloria، أي: المجد لله وحده.
فنانو البوب يشكّلون الثقافة
إن مجتمعات اليوم في أمسّ الحاجة إلى فنّ يكرّم الله. فالأمم في أنحاء العالم، متأثرة بما بعد الحداثة، تنزلق نحو العبث والعار. وتقوم بعض الأمم بتغيير قوانينها لإعادة تعريف الزواج، وإنكار الفوارق البيولوجية بين الجنسين. وهذه الأفكار تُنقل إلى الجماهير عبر الفنون والإنتاج الثقافي. فالفنانون هم من يشكّلون الثقافة، ومن الثقافة تنبثق السياسة والاقتصاد والبُنى الاجتماعية.
لماذا يتغيّر تعريف الزواج من أمة إلى أخرى؟ ولماذا تنكر مجتمعات بأكملها الواقع البيولوجي؟ لأن هذه الأفكار قد جرى الترويج لها عبر الفنون، فتأثرت بها الثقافة، ثم تبعتها القوانين. فالفنانون هم من يشكّلون الثقافة.
ولعقود على الأقل، أثّر فنّانو البوب في الثقافة، فابتعدوا بها عن النظرة السامية للجنس كما خلقه الله. هل كان مايكل جاكسون رجلاً أم امرأة؟ وكيف أراد ديفيد بوي أن يُنظر إليه: كرجل أم كامرأة؟ أما مادونا، “ملكة البوب”، فتتباهى بأنها أقامت علاقات مع عدد كبير من الرجال والنساء.
هؤلاء الفنانون لم يكونوا عشوائيين. كانوا واعين، ينظرون إلى العالم بطريقتهم الخاصة، ويسخّرون قدراتهم الفنية لتشكيل طريقة تفكير الناس وسلوكهم. وقد روّجوا جميعًا لفكرة ازدواجية الجنس، ولتلاشي الفارق بين الذكر والأنثى. ونتيجة لذلك، يعيش كثير من الشباب حالة من الارتباك؛ إذ تُنكر هذه الأيديولوجيات الواقع الواضح أمام أعينهم، لكن تأثير ثقافة البوب في حياتهم يغلب في كثير من الأحيان على كل صوت آخر يصل إليهم
الفنانون المسيحيون غائبون عن المشهد
نعم، حتى داخل الكنيسة، إلى حدّ ما. لقد أرسل يسوع الكنيسة لتُتلمذ الأمم، لكن الذي يحدث اليوم هو أن العالم هو الذي يُتلمذ الكنيسة. ولا يوجد صوت أقوى في مخاطبة الثقافة من صوت الفنانين؛ فهم الذين يشكّلون الثقافة، والثقافة بدورها هي التي تصوغ القوانين
أن تكون تابعًا للمسيح يعني أن تنتمي إلى ملك، وأن تخدم ملكوته. والفنان المسيحي هو سفير لذلك الملك، يحمل مجد الله وبركة للعالم. يمكنك من خلال فنك أن تقاوم الأكاذيب، وأن تُدخل الحق إلى عالمك، وتُسهم في تغييره

