شارك هذا المنشور

«من يسيطر على اللغة، يسيطر على الثقافة.» (دينيس بيكوك)

«إنّ تقديري للكتاب المقدس عظيمٌ لدرجة أنّه كلما بدأ أبنائي قراءته في سنٍّ مبكرة، ازداد يقيني بأنّهم سيصبحون مواطنين صالحين لبلادهم.» (جون كوينسي آدامز، الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية)

أدرك بنجامين راش قوة الكلمات.

«لا أظن أن أحدًا تلقّى تعاليم الكتاب المقدس منذ صغره إلا وكان لتلك الحقائق أثرٌ مبكر جعله أكثر حكمة أو صلاحًا.» (بنجامين راش، “الدفاع عن استخدام الكتاب المقدس في المدارس”، 1791، أحد الموقعين على إعلان الاستقلال الأمريكي، طبيب وعالم)

فالكتاب المقدس يعلّمنا أن الكلمات تحمل بعدًا روحيًا. وقد قال يسوع المسيح، الكلمة المتجسدة: «اَلْكَلَامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يوحنا 6:63). الكلمات هي جوهر الأفكار، والأفكار لها عواقب! إن معاني الكلمات تُلهم أفكارًا تُوجّه مسار تفكيرنا واستدلالنا، مما يُفضي إلى خيارات ونتائج! يُعدّ إتقان المفردات الكتابية والتواصل بها أولوية قصوى للقادة والمعلمين والآباء المسيحيين. لقد استخدم الشيطان استراتيجية إبعاد المسيحية عن التعليم في أمريكا، وذلك بإزالة معرفة الله الحي وكلمته من صميم العملية التعليمية. لقد حرّف التاريخ ليمحو ذكرى يد الله في حياة البشر والأمم. لقد استأصل المعايير الإلهية والمفردات والصور والمُثل الكتابية من لغتنا. ولأن معظمنا قد تلقى تعليمه في ظل النظام العالمي من خلال فلسفة الإنسانية، فإننا غافلون عن هذه الحقائق ونحتاج إلى تجديد معرفتنا.

معركة القرن الحادي والعشرين هي معركة كلمات

إن معركة القرن الحادي والعشرين هي معركة روحية وثقافية تُخاض من أجل قلوب الجيل القادم وعقوله، في قاعات الدراسة ووسائل الإعلام، مستخدمةً الكلمات سلاحًا لها. إنها حرب أفكار، ولا يمكن خوضها إلا بأسلحة روحية.

إن فهم الاستراتيجية التي يستخدمها الشيطان لنزع الهوية المسيحية عن التعليم من خلال إقصاء معرفة الله الحي وكلمته من قلب العملية التعليمية، وإعادة كتابة التاريخ لطمس ذكر يد الله في حياة الأفراد والأمم، واستئصال المعايير الإلهية، والمفردات الكتابية، وصورها، ومُثلها العليا من اللغة ووسائل التواصل من شأنه أن يساعد القادة والمعلمين والآباء المسيحيين على اليقظة واتخاذ الإجراءات اللازمة للتسلح بأسلحة فعّالة. لقد تلقى معظمنا تعليمه في ظل النظام العالمي من خلال فلسفة الإنسانية، ونحن غافلون عن هذه الحقائق.

من المؤسف حقًا أن كثيرًا من كليات اللاهوت ومعاهد دراسة الكتاب المقدس تُدرِّس هي أيضًا انطلاقًا من فلسفة تعليمية علمانية. فقد تتضمن بعض المقررات أجزاءً ذات مضمون كتابي، لكن الرؤية الكونية التي يتبناها معظم الأساتذة، والكتب الدراسية التي يعتمدون عليها، والأساليب التعليمية التي يستخدمونها، تقوم في الغالب على الفكر التقدمي والفلسفة الإنسانية. ونتيجة لذلك، لا يتخرج الطلاب بأذهانٍ متجددة ولا بإيمانٍ فائق للطبيعة.

لقد تخلّت معظم الأوساط الأكاديمية عن معركة الكلمات. وبشكل عام، تتبنى كلياتنا وجامعاتنا في جميع أنحاء العالم النزعة الإنسانية أيضًا. فالأساتذة يسعون إلى نيل قبول زملائهم الباحثين استنادًا إلى افتراضات مشتركة. هذه الافتراضات إنسانية في جوهرها، إذ تؤكد وجود معايير مرجعية مستقلة عن الله، واعترافًا بإيمان خارق للطبيعة. وهذا بمثابة إعلان عن وجود حقيقة مستقلة أسمى من حقيقة الكتاب المقدس. ولذلك، يتبنى معظم المسيحيين عقلية ثنائية. فهم يفصلون بين حياتهم الدنيوية وحياتهم الروحية. يوم الأحد هو يوم الله، ومن الاثنين إلى السبت يقضون وقتهم في التفكير وفقًا لأساليب العالم، وحل المشكلات وفقًا لأساليب العالم، وممارسة الأعمال التجارية وفقًا لأساليب العالم، والتعليم والتعلم وفقًا لأساليب العالم.

يحمل الكتاب المقدس دروسًا عميقة لنا، لكن العديد من المؤمنين يجهلون ما ورد فيه من تعاليم فيما يتعلق بالأوساط الأكاديمية. للحضارة الغربية تاريخ طويل في تدريس وحي الكتاب المقدس، وتعليم الطلاب كيفية الاستدلال به. وقد أثر ذلك على الفكر، واستخدام المفردات، والأدب. أما اليوم، فقد ضاع هذا الإرث، حتى داخل التعليم المسيحي. فأصبح قليلون هم الذين يستطيعون أن يفكروا بعقلية مسيحية، أو يعبّروا بوضوح عن الرؤية المسيحية للعالم ويدافعوا عنها في ساحات الحياة العامة، أو يقنعوا الآخرين بها. وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بالسعي وراء الأهداف المادية في التعليم، نجح العدو في سرقة تراثنا التعليمي المسيحي بمهارة. لقد جُرِّدت مفرداتنا من الصور والمفاهيم والمُثل الكتابية، وفقدنا في تفكيرنا ولغتنا مُثُل الحق والجمال، وأصبح أسلوب استدلالنا ذا طابع علماني. وقد استهلّ آلان بلوم كتابه «انغلاق العقل الأمريكي» (1988) بهذه العبارة المقلقة: «هناك أمر واحد يستطيع الأستاذ الجامعي أن يكون واثقًا منه تمامًا: وهو أن كل طالب تقريبًا يدخل الجامعة يؤمن، أو على الأقل يقول إنه يؤمن، بأن الحقيقة نسبية». ومع إقصاء حق كلمة الله وجمالها من قلب نظامنا التعليمي، يرى الكاتب أن الأمريكيين يخسرون هذه المعركة!

التركيز على الصورة المرئية بدلًا من الكلمة المكتوبة في ثقافتنا

اليوم، أغوى العدو أطفالنا بعيدًا عن متعة الكلمة المكتوبة من خلال الإفراط في استخدام الصورة المرئية. تخيّل الساعات التي نقضيها نحن الأمريكيون وأطفالنا يوميًا في مشاهدة الصور المرئية في الأفلام والبرامج التلفزيونية والرسوم المتحركة والفيديوهات وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت وألعاب الفيديو ودورات الحاسوب. لقد تراجعت الكلمة المكتوبة أمام هيمنة الصورة المرئية. بل إن العلماء يشيرون اليوم إلى أن أدمغة البشر بدأت تتطور من الناحية الفسيولوجية بصورة مختلفة نتيجة لذلك. فكيف أثّر هذا التركيز على الصورة، بدلًا من الكلمة المكتوبة، في قدرة هذا الجيل على صياغة الأفكار في كلمات، والتعبير عن أفكاره بوضوح وفاعلية؟ من الواضح أن الله يُقدّر الكلمة المكتوبة والمنطوقة. لقد خلق الكون بكلمته: «في البدء قال الله…» (سفر التكوين 1). كشف الله عن نفسه من خلال الكلمة المكتوبة والكلمة المتجسدة، يسوع المسيح: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللهَ». (يوحنا 1:1).

درسٌ من «تشبيه الكهف» لأفلاطون

في كتابه «الشيطان يعرف اللاتينية» سنة (1999)، تناول إي. كريستيان كوبف الفصل السابع من كتاب أفلاطون «الجمهورية»، الذي يبدأ بتشبيهه الشهير المعروف باسم «تشبيه الكهف»، حيث كتب:

بحسب أفلاطون، كان أهل أثينا في زمانه يشبهون أناسًا يجلسون داخل كهفٍ مظلم، يحدقون في جدارٍ تُسقِط عليه مجموعةٌ من الأشخاص ظلالًا لأشكالٍ يحملونها أمام نارٍ مشتعلة. وكان الجالسون في الكهف يظنون أن تلك الظلال هي الحقيقة نفسها.

لكن أحدهم نهض يومًا من مكانه واستدار إلى الخلف، فاكتشف أن تلك الظلال ليست إلا صورًا يصنعها الأشخاص الواقفون وراءه. ثم خرج إلى خارج الكهف، فرأى العالم الحقيقي والشمس، مصدر الحياة ومصدر المعرفة.

هكذا رأى أفلاطون حال معاصريه. وهذا أيضًا هو حالنا اليوم. فنحن نجلس في غرفٍ مظلمة، نحدّق في شاشاتٍ تعرض انعكاسات لصورٍ يتحكم فيها أشخاص لا نراهم، ثم نتعامل مع تلك الانعكاسات على أنها الواقع. أتذكر أنه عندما كنت مراهقًا اندلع حريق في أحد المتاجر المحلية، فتجمع عدد كبير من الناس لمشاهدته. لكن عند الساعة الحادية عشرة ليلًا اختفى الجميع. وعرفت لاحقًا أنهم عادوا إلى منازلهم ليشاهدوا الحريق على شاشة التلفاز. بالنسبة إليهم، كانت تلك الصورة التلفزيونية، لا ما رأوه بأعينهم، هي الحقيقة. لقد أدهشني ذلك، بل صُدمت حقًا. أما أفلاطون، فلم يكن ليستغرب الأمر.

والدرس الذي يمكننا، نحن المسيحيين، أن نستخلصه من «تشبيه الكهف» هو أن كلمة الله هي مصدر النور الذي ينبغي أن يكون في قلب التعليم والتعلّم، لا الصورة المرئية، ولا التصور الذي تقدمه الفلسفة الإنسانية العلمانية عن الواقع.

فالحقيقة لا تُدرك إلا في علاقة حيّة مع يسوع المسيح ومع كلمته، أي الكتاب المقدس.

«إن اتخاذ قرار الانتقال من التلقي السهل للصورة المرئية إلى الكلمة المكتوبة يتطلب جهدًا، وربما شيئًا من الألم، لأن نور الشمس سيكون شديد السطوع على عقولنا. كما أننا لن نجد كثيرًا من التشجيع من الآخرين الجالسين في الكهف. والخروج إلى نور الشمس قد لا يمنحك مالًا ولا مكانة اجتماعية، لكنه يمنحك نوعًا من الحياة لا يمكن أن تجده في أي مكان آخر.»

«سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي» (مزمور 119:105).

«فَتْحُ كَلَامِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ ٱلْجُهَّالَ» (مزمور 119:130).

«لِأَنَّ ٱلْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَٱلشَّرِيعَةَ نُورٌ» (أمثال 6:23).

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

اللغة

ما الفرق الذي تُحدثه الكلمات؟

«من يسيطر على اللغة، يسيطر على الثقافة.» (دينيس بيكوك) «إنّ تقديري للكتاب المقدس عظيمٌ لدرجة أنّه كلما بدأ أبنائي قراءته في سنٍّ مبكرة، ازداد يقيني

...المزيد