شارك هذا المنشور

لقد مات داروين وكذا الداروينيّة. كائن حيّ صغير واحد يوضّح ذلك

اعتقد “تشارلز داروين” أنّ كلّ الحياة تنحدر من أصلٍ مُشترك من خلال عمليّة «الانتقاء الطبيعيّ»، المعروفة أيضًا باسم (بقاء الأصلح). في عام 1856م، كتب داروين إلى صديقه “آسا جراي” بأنّه لم يكُن هناك سوى احتمالين للتعقيد الذي نشهده اليوم، «إمّا أنّ الأنواع نشأت بشكلٍ مُستقلّ، أو إنّها انحدرت من أنواع أُخرى…»

تتضاعف أهمّية هذه الكلمات على نحوٍ كبير في سياق المناقشات العلميّة اليوم. بحيث يقول داروين: إمّا أن يتمّ إنشاء نوعٍ بشكلٍ مُستقلٍّ ومُتعمّد، أو أنّنا نتاج اختيار عشوائي. أظهر الاكتشاف العلميّ الذي أعقب ذلك بوضوحٍ أنّ تعقيد الكائنات الحيّة يُفسّره الخالق على نحوٍ عقلانيّ أكثر منه بالصُدفة. ومع ذلك، على مُستوى القاعدة الشعبيّة، لا يزال فِكر داروين يُعلَّم في جميع أنحاء العالم. التطوّر هو أيديولوجيّة موجودة ليس فقط في علم الأحياء، ولكن هو الافتراض الكامن وراء جميع الدراسات الأكاديميّة.

بعبارةٍ أخرى، لقد تبنينا تأكيد داروين الأوّل وتجاهلنا تأكيده الثاني. وفقًا لمقياس داروين نفسه، فإنّ ما اكتشفه العلم مُنذ داروين يجب أن يحوّل كلّ عالِمٍ صادقٍ للاعتراف بنظريّة (المُصمِّم الذكيّ)، أيّ الإله الخالق.

«الانتقاء الطبيعيّ» هو المُصطلح الذي استخدمه داروين لوصف التغيُّرات الطبيعيّة، بدون ذكاءٍ إرشاديّ، عمليّات بدون تصميمٍ أو غرض. كان المُقابل له، كما تصوّره، هو أنّ الطبيعة تختار على نحوٍ عشوائيّ، دون هدفٍ أو اتجاه، على عكس ما يفعله البشر في الاختيار بذكائهم وخيالهم وإرادتهم.

«الانتقاء الاصطناعيّ» هو تربية الكلاب أو الورود أو العِنب حيث يتحكّم الذّكاء البشريّ في عمليّة تحقيق غرضٍ مُعيّن. قد يُطوِّر مُربّي الكلاب سلالةً ذات قُدرةٍ أكبر على رعي الأغنام وحمايتها. سيقوم مُزارعي العنب بزراعة عنبٍ جديدٍ في رائحته أو طعمه. في كلّ هذه الحالات، يوجّه البشر العمليّة من نقطة خيالهم من خلال نشاطهم المُتعمَّد إلى المُنتج النهائيّ.

بكلماتٍ أخرى، في عالمٍ يحظى فيه الناس بحريّة المُلاحظة والتعقُّل واستخلاص استنتاجات الحياة، فإنّ وضع إيمان المرء بالمُصمِّم الذكيّ هو وضع أقوى من اعتبار الكون حادثًا كونيًّا. في حين أنّ وجهة النظر الأخيرة تتركنا «أحرارًا» في العيش دون قيود أخلاقيّة، إلا أنّها تأتي بتكلفة باهظة: حياة بلا هدف. وبالطبع بدون أيّ حريّة حقيقيّة أيضًا.

هذا، في رأيي، هو السبب في أنًّ العالم الحديث موجود فيه مثل هذه الفوضى. يعيش الناس حياة غير محدودة/مُطلقة لاتّباع غرائزهم – يعيش العالم حياة «الاشخاص الهدّامون»، بدلًا من أن يعيش حياة الحريّة والكرم – «الأشخاص البنّائين».

رأى تشارلز داروين نقطةً ضعفٍ هائلة في نظريّته الخاصة. لم يُحدّد نقطة الضعف هذه فحسب، بل قدّم تحديًّا في كتابه (أصل الأنواع): «إذا كان من المُمكن إثبات وجود أيّ عضوٍ مُعقّدٍ لا يُمكن أن يتشكّل من خلال تعديلات عديدة ومتتالية وطفيفة، فإنّ نظريتي ستنهار تمامًا».

 داروين نفسه يُشير إلى طريق هدم نظريّته الخاصة. فقد أثبت عالم الكيمياء الحيويّة “مايكل بيهي” من جامعة ليهاي، وفقًا لمُصطلحات داروين الخاصة، كيف ولماذا «انهارت» نظريّة داروين. كتب الدكتور “مايكل إن كاس”:

“مُنذ حوالي نصف قرن وجد عُلماء الأحياء أنّ بعض البكتيريا تسبح عن طريق زيل دوار، وهو دافع طويل يُشبه السوط مُتّصل بمُحرِّك دوّار يقع داخل غشاء الخليّة. بعد حوالي عشرين عامًا من اكتشاف “بيهي” أنّ السوط البكتيريّ والعديد من الآلات الجزيئيّة الأخرى داخل الخلايا الحيّة تُظهِر خاصيّةً أسماها «التعقيد غير القابل للاختزال»، والتي تُشير إلى أنّه لا يُمكن أن تكون قد نشأت عن طريق عمليّة مادّة غير موجّهة مثل الانتقاء الطبيعي. أثار “بيهي” ثورةً بكتابه الذي أعلن عن اكتشافه: (صندوق داروين الأسود) (1996)، الذي باع 300 نسخة 000″.

هذا ليست لعبة “الإيمان ضدّ العلم” لأنّ الداروينيّة هي نظريّة وليست عِلمًا. لقد ثبُت خطأ التطوّر الذي سيطرَ على الحياة الأكاديميّة والفكريّة الغربيّة مُنذ العام 1850م، وفقًا لشروط داروين الخاصة. لقد أثبت العلم خطأ داروين! ومع ذلك، يستمرّ العلم الحديث وأتباعه في رفض العلم من أجل الإيمان الإلحاديّ.

لا يوجد تعارُض بين الإيمان الكتابيّ والعلم. لكن هناك صراع بين العلم الحديث والإيمان المُلحد. ومن الحكمة الاستجابة لنصيحة داروين والاعتراف بأنّ نظريّته عن التطوّر قد فُنيت.

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

نهاية داروين

لقد مات داروين وكذا الداروينيّة. كائن حيّ صغير واحد يوضّح ذلك اعتقد “تشارلز داروين” أنّ كلّ الحياة تنحدر من أصلٍ مُشترك من خلال عمليّة «الانتقاء

...المزيد
المنظور العالمي

ما هي المرأة؟

المرأة تختلف عن الرجل. هذه الحقيقة، الواضحة لأي طفل، يتم الطعن فيها في الغرب اليوم، وهي تُعتبر تحديًا لا سبب ولا منطق ولا أُسس علميةٍ

...المزيد