شارك هذا المنشور

يسجل لنا الإصحاح الثالث من سفر التكوين تمرد الإنسان وسقوطه، وما ترتب على ذلك من دخول الخليقة تحت اللعنة. ومنذ ذلك الحين بدأت دائرة مفرغة من الفقر الإنساني. كان البشر يعبدون آلهة من صنع خيالهم: آلهةً عائلية صغيرة، وآلهةً قبلية، وآلهةً للطبيعة متقلبة المزاج محدودة القوة. وكانت هذه الآلهة، في نظر عابديها، غير قابلة للتنبؤ؛ تحكم عالمًا غامضًا نابضًا بالأرواح والقوى الخفية، وكأنها تتصرف وفق أهوائها. كان التاريخ شيئًا ينبغي للإنسان أن ينجو منه لا أن يصنعه. عاش الناس في دائرة لا تنتهي من الفقر والخوف، لا يعرفون ماذا ستأتي به الأرواح إليهم: خيرًا أم شرًا، نورًا أم ظلمة، مرضًا أم صحة. كانت الحياة قصيرة وقاسية، تتعاقب فيها الفيضانات والمجاعات والكوارث، كارثةً تلو أخرى. وكانت الآلهة هي المتهم الأول. لذلك كان عابدوها يحاولون استرضاءها، والتقرب منها، وطلب رضاها، أو دفع غضبها عنهم بأي وسيلة.

فمثلًا، عندما أعلن الله عن نفسه لموسى قال: «أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ» (خروج 3: 14). لم يكن الله إلهًا وثنيًا أو إلهًا قبليًا محدودًا. إنه الخالق غير المخلوق، القائم خارج حدود الكون الذي خلقه.

لقد اخترق خالق الكون حدود الزمان والمكان ليتكلم مع الإنسان. وأعلن عن نفسه إلهًا شخصيًا، إلهًا يصنع العهود ويحفظها، إلهًا يتكلم مع البشر ويدعوهم إلى علاقة معه. ويحدثنا سفر التكوين عن ثلاثة عهود دخل الله فيها مع البشر.

ثلاثة عهود كسرت دائرة الفقر

كان أولها عهد عدن، الذي أعلنه الله لآدم وحواء، ومن خلالهما للبشرية كلها (التكوين 1: 26-30). فيه كشف لنا الله من نحن: إننا مخلوقون على صورة الله (باللاتينية: إيماغو داي)، وكشف لنا كذلك لماذا نحن هنا: لكي نتولى مسؤولية الأرض ونمارس عليها السيادة بوصفنا وكلاء لله.

ثم جاء عهد نوح، الذي قطعه الله مع نوح ومع جميع الكائنات الحية (التكوين 9: 1-17). فأعاد فيه تأكيد التكليف الذي أعطاه للإنسان منذ البداية، أي أن يثمر ويتكاثر ويملأ الأرض، ثم وعد بأنه لن يهلك الأرض بالطوفان مرة أخرى.

أما الثالث فهو العهد الإبراهيمي (التكوين 12-13). فيه أعلن الله أن إبراهيم ونسله سيكونون شعبًا مختارًا، وأن عليهم مسؤولية إيصال رسالة الإله الواحد الحق والأخلاقي إلى جميع الأمم، لكي تتبارك هذه الأمم، أي لكي تبلغ ما أعده الله لها من خير وإمكانات، وتُتاح لها أيضًا فرصة التبرير بالإيمان (غلاطية 3: 8).

كانت هذه العهود ثورية في مضمونها؛ لأنها كشفت للإنسان أنه ليس موجودًا بالمصادفة، بل لغاية وهدف. فـي حين كانت الثقافات الأخرى أسيرة دوائر زمنية لا تنتهي، وكأن التاريخ يتحرك دون أن يصل إلى شيء، أعلن الله أن للتاريخ اتجاهًا وغاية. لسنا هنا لمجرد البقاء على قيد الحياة ومواجهة الأخطار التي تهدد وجودنا، بل نحن هنا لنشارك في صناعة التاريخ من خلال كلماتنا واختياراتنا وأفعالنا.

كانت آلهة الوثنيين صغيرة ومتقلبة. وكانت الحياة، في ظلها، غير قابلة للتنبؤ، والإنسان أسيرًا لما يُسمى القدر. لم يكن هناك إطار أخلاقي أو ميتافيزيقي يمنح الحياة معنى واضحًا أو نظامًا ثابتًا. أما الله، فقد أعلن من خلال عهوده أنه إله يمكن الوثوق به؛ فكلمته عهد، وما يقوله يلتزم به. والكون الذي خلقه ليس فوضى عمياء، بل تحكمه قوانين أخلاقية وقوانين طبيعية ثابتة. إنه عالم منظم يمكن فهمه واستكشافه. والأهم من ذلك أن كل إنسان، امرأةً كان أو رجلًا، غنيًا أو فقيرًا، كبيرًا أو صغيرًا، يحمل قيمة أصيلة في ذاته. لقد غيّرت هذه الحقائق وجه العالم.

دينيس براغر عن سفر التكوين

كتب دينيس براغر، المحلل الاجتماعي والباحث في العبرية والكاتب ومؤسس جامعة براغر، عن هذا الأمر في تفسيره لسفر التكوين:

«إن التوراة (أي أسفار موسى الخمسة) مختلفة اختلافًا جذريًا، أخلاقيًا ولاهوتيًا ومن حيث الحكمة عن كل ما سبقها. ولذلك، فإن الإنسان العاقل لا بد أن يستنتج إما أن وراءها بشرًا يتمتعون بسمو أخلاقي استثنائي، أو أن الله هو الذي يقف وراءها.»

ثم يذكر عددًا من الأفكار التي قدمتها التوراة إلى العالم، ومنها:

إله كوني، إله لجميع البشر:

وهذا ما بدأ المسيرة الطويلة التي قادت البشر إلى الإيمان بأن لهم «أبًا واحدًا في السماء»، وأن جميع البشر إخوة وأخوات.

إله غير منظور وغير مادي:

وهذا يعني أن الواقع لا يقتصر على الجانب المادي المحسوس، وأن الحياة أكبر بما لا يقاس من العالم المادي الذي نعيش فيه خلال سنواتنا القصيرة على الأرض.

إله أخلاقي:

كانت آلهة العالم القديم، بحسب براغر، متقلبة لا تحكمها معايير أخلاقية ثابتة. أما الإيمان بإله عادل وأخلاقي، والذي يعني من بين أمور أخرى أن العدالة ستنتصر في النهاية، إن لم يكن في هذه الحياة ففي الحياة الآتية.

كما يعني أن الإنسان، بما أودعه الله فيه من إحساس بالعدل، يستطيع أن يناقش هذا الإله العادل ويسأله ويصارعه فكريًا. وحتى اسم «إسرائيل» نفسه يرتبط بمعنى المصارعة أو المجاهدة مع الله.

إله يتجاوز الطبيعة:

الله هو الذي خلق الطبيعة، ولذلك فهو ليس جزءًا منها. وقد أسهم هذا التصور في إنهاء الاعتقاد السائد بأن قوى الطبيعة نفسها آلهة، كآلهة المطر وغيرها. والمفارقة أن تراجع الإيمان بإله التوراة يشهد اليوم عودة بعض أشكال تقديس الطبيعة.

إله يحب ويريد أن يُحَب:

كان هذا أيضًا مفهومًا جديدًا غيّر نظرة الإنسان إلى الله وإلى علاقته به.

القيمة الإنسانية الشاملة:

كل إنسان «مخلوق على صورة الله». وهذه فكرة لم يسبق أن طُرحت أو قُررت في العالم القديم.

الحقوق الإنسانية الشاملة:

وهي إحدى النتائج الكبرى المترتبة عن الإيمان بأن لكل إنسان قيمة متأصلة لأنه مخلوق على صورة الله.

الحقيقة قادرة على تغيير العالم

هذه الأفكار ليست مجرد أفكار نظرية؛ إنها أفكار ثورية غيّرت العالم.

وقد بدأت قصتها حين كسر الله الحدود الضيقة للتصورات الوثنية والآلهة المتقلبة، وأعلن عن نفسه باعتباره الإله الذي يصنع العهد ويحفظ العهد.

لكننا نعيش اليوم في زمن ما بعد الحداثة، وقد تخلينا عن الإيمان بالإله الواحد الحق، وعن الرؤية اليهودية-المسيحية للعالم التي انبنت على وجوده. لقد تخلينا عن الحقيقة الموضوعية والواقع، لصالح أوهام ذاتية وآلهة وثنية بأشكال جديدة. والنتيجة أن الغرب فقد بوصلته، وبدأ يعود شيئًا فشيئًا إلى حالة من الفوضى والانفلات من القانون.

ولذلك، لا يكفي أن ننتظر في خمول عودة مجتمعاتنا إلى ما كانت عليه، ولا أن نتمنى أن تُصلح الأمور نفسها بنفسها.

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

اللغة

ما الفرق الذي تُحدثه الكلمات؟

«من يسيطر على اللغة، يسيطر على الثقافة.» (دينيس بيكوك) «إنّ تقديري للكتاب المقدس عظيمٌ لدرجة أنّه كلما بدأ أبنائي قراءته في سنٍّ مبكرة، ازداد يقيني

...المزيد