شارك هذا المنشور

يقول لك الملحد إن المسيحي يحتاج إلى الإيمان ليصدق بوجود الله، بينما هو كملحد يمتلك الأدلة العلمية، فلا حاجة عنده للإيمان. فالمسيحيون واليهود بحسب زعمه يؤمنون بالله دون أدلة، وهذا يستلزم إيمانًا، أما هو فمعه حقائق”.

وكثيرًا ما تراجع المسيحيون أمام مثل هذه الادعاءات

لكن الحقيقة هي أن الكون، بكل ما فيه من جمال ونظام وبساطة وتعقيد وروعة، يعلن وجود الله. والمزمور 19: 1-4 يصوّر هذا الإعلان بأسلوب شعري بديع، إذ يصف الخليقة ذاتها وكأنها تُخبر بوجود الخالق

اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱلله

وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ

يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلَامًا

وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْمًا

لَا قَوْلَ وَلَا كَلَامَ

لَا يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ

فِي كُلِّ ٱلْأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى ٱلْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ

إن الخليقة تُعلِن وجود الخالق! فمجـد الصنعـة يتكلّم عن مجـد الفنان الذي أبدع الكون. وهذا الإعلان قائم في نور النهار كما في ظلمة الليل، ولا توجد بقعة بين البشر لا يصلها صوت هذا الإعلان؛ بل إن الصوت يستمر حتى لو لم يوجد بشر يسمعونه

ويُقدّم الرسول بولس الحجة نفسها في سفر رومية 1: 19-20

“إِذْ مَعْرِفَةُ ٱللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لِأَنَّ ٱللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لِأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ ٱلْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ ٱلْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِٱلْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةَ وَلَاهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلَا عُذْرٍ”

ويمضي بولس أبعد من ذلك: ما يمكن معرفته عن الله — وجوده، قوّته الأزلية، وطبيعته الإلهية — واضح جدًا في الخليقة إلى درجة تجعل الإنسان بلا أي عذر حين ينكر وجوده. فالمُنكر يُقاوِم الواقع نفسه

ما الذي لا يراه الملحد؟

إن غروب الشمس البديع، والسماء المرصّعة بالنجوم ليلًا، ومشهد ولادة طفل، وزهور الربيع التي تتفتح فوق حقول الألب… كلّها تشهد على وجود الله. ومع ذلك، فقد كشفت العلومُ — حتى ضمن الإطار الطبيعي المادي — عن الضوابط الضيقة والدقيقة التي لا بدّ أن تتوفر لوجود الحياة البشرية. وحتى الملحد لا يستطيع أن يدحض هذه الحقائق العلمية

يُقرّ العلماء بأن وجود الحياة على الأرض واستمرارها يعتمد على مجموعة شديدة الدقة من الشروط. وقد حدّد الدكتور هيو روس، وهو عالم فلك مرموق، ما يقارب 1500 خاصية تُشكّل هذا الإطار الضيق للحياة، ويسمّيه «سِفر التصميم»، ويمكن تقسيمه إلى أربع فئات رئيسية

القسم الأول: الضبط الدقيق للحياة في الكون

يضمّ 140 سمة تتعلق بالكون ككل (بما في ذلك قوانين الفيزياء) يجب أن تقع جميعها ضمن نطاقات ضيقة للغاية ليكون الوجود المادي للحياة ممكنًا

القسم الثاني: الضبط الدقيق للحياة الفيزيائية الذكية

يتناول 402 خاصية قابلة للقياس في النظام الكوكبي والمجرة التي ينتمي إليها، ويجب أن تقَع ضمن مجالات ضيقة لتسمح بوجود حياة متقدمة. ويتضمن هذا القسم بيانًا لكيفية تأثير أي زيادة أو نقصان طفيف في قيمة كل خاصية على احتمال وجود تلك الحياة.

القسم الثالث: تقدير احتمال توافر الشروط اللازمة لأشكال الحياة المختلفة

يتناول هذا القسم 922 شرطًا تعتمد عليها الحياة، سواء في المجرّة أو في أي نظام كوكبي. ويعرض تقديرات علمية — بحذر وواقعية — عن مدى احتمال اجتماع هذه الشروط. وقد قُسّم هذا القسم إلى ثلاثة أجزاء لأن كل نوع من أنواع الحياة يحتاج شروطًا مختلفة، ولأن مدة بقائه تختلف من شكل لآخر

القسم الرابع: حساب احتمال توفّر الشروط اللازمة للحياة المتقدمة في كل مستوى من مستويات الكون

يعرض تفصيلًا للخصائص اللازمة للحياة المتقدمة (الواردة في القسم الثالث)، وفق مستويات متعدّدة: عنقود المجرات، المجرة، النجم، النظام الكوكبي، الكوكب، القمر، سطح الكوكب، والنظام البيئي الذي توجد فيه حياة متطورة

إن التفاصيل الدقيقة في “سِفر التصميم” تنسجم مع شهادة السماء الواسعة المتلألئة ليلًا. ومع الرسول بولس يمكننا القول: إن الإنسان بلا عذر حين ينظر إلى الخليقة كلّها ثم يستنتج أنه لا يوجد إله.

الملحد الصادق

يبدو لي أن الإلحاد لا ينشأ عند كثيرين بسبب غياب الأدلة على وجود الله؛ فالأمر ليس مسألة برهان. بل في جوهره، هو اختيار أخلاقي. ببساطة شديدة—وإن كان التعبير فظًّا—يريد الملحدون أن يمارسو الجنس مع من يشاءون، وقتما يشاءون، دون أي قيود أخلاقية. ولتحقيق ذلك، يصبح إنكار وجود الله ضرورة

:كان ألدوس هكسلي من القلائل الذين امتلكوا شجاعة الاعتراف بذلك صراحة. ففي كتابه اعترافات مفكر حر محترف يقول

كانت لديّ أسباب تدفعني لعدم الرغبة في وجود معنى للعالَم، ولذلك افترضتُ أن العالم بلا معنى. وقد استطعت بسهولة أن أجد مبرّرات مُقنعة لهذا الافتراض… بالنسبة لي، كما كانت بلا شك بالنسبة لمعظم جيلي، كانت فلسفة العدمية أداة للتحرّر من منظومة أخلاقية معيّنة. لقد عارضنا الأخلاق لأنها كانت تُقيّد حريتنا الجنسية. [الخط العريض مُضاف من كاتب المقالة]

:أما سي. إس. لويس فيُجسّد مفارقة هذا الإنكار في مقالته “ثِقَل المجد” حين يقول

نحن مخلوقات ضعيفة الهمة؛ نعبث بالخمر والجنس والطموح بينما يُعرَض علينا فرحٌ لا نهائي. نحن كطفل جاهل يصرّ على صنع كعكات الطين في الحي البائس لأنه لا يستطيع أن يتخيّل معنى قضاء عطلة على شاطئ البحر. إننا نرضى بالقليل بسهولة بالغة

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

ما الذي يميز القيادة العظيمة؟

تُعدّ قصة يوسف في مصر من أعمق القصص في الكتب المقدسة، إذ تُعلّمنا درسًا قيّمًا في القيادة في سفر التكوين 41، رأى فرعون حلمًا عجز

...المزيد