شارك هذا المنشور

“لماذا تزدهر بعض المُجتمعات وبعض الأشخاص، بينما لا يزدهر الأخرون؟” هذا سؤال مُهمّ للغاية

الفيْصل هنا هو رفاهية هؤلاء الأفراد والقبائل والأمم. فهذا السؤال هو سؤال طويل الأمد. فقد تمّ طرحه في جميع أنحاء العالم وعبر كلّ العصور من قِبل كلّ الأجيال

إنّه سؤال مُعقّد؛ فالإجابات التي تُقدّم له كثيرة ومترابطة في كثير من الأحيان. هو سؤال تشكيلي؛ فقد شكلّت طريقة الإجابة عليه القوانين، والتعليم، وحقوق الملكية، والاقتصاد، وأشكال الحكومة، والسياسة، وحتّى مُمارسة الدين

هذا السؤال يُعالج مُشكلة، ولكي تُحلّ هذه المشكلة بشكل فعّال، عليك أن تفهمها بشكلٍ صحيح. فكما يقول البعض: “أنّ فهم المُشكلة بشكلٍ صحيح هو نصف الحلّ”– بل هو النصف الأهم

في العام الماضي، قطعتُ ثلاث أشجار كبيرةٍ وقبيحةٍ من شجر الساسم التي قد نمت في فناء منزلي، وقُمت أيضًا بقطع جُذوعها. ولكن، ما أثار حيرتي، هو أنّ جذورها استمرت في النمو، وفي غضون أشهُرٍ كان لديّ مائة شجرة صغيرة من الساسم في فناء منزلي! اعتقدتُ أنّني قد قُمت بحلّ المُشكلة، ولكنّني أهملتُ التعامُل مع الجذور بشكلٍ فعّال

أعتقد أنّنا نواجه نفس المُشكلة في التعامل مع العديد من المشاكل الخطيرة التي نواجهها اليوم كأفراد وكمُجتمع. هناك جانب جذريّ واحد لا يُمكن رؤيته أو مُعالجته، وهذه هي قضيّة النظرة الكونيّة. فهناك صمتٌ رهيب حول دور وتأثير النظرة الكونيّة في المشاكل التي نواجهها اليوم – المشاكل التي تحِدُّ من ازدهار الإنسان

لماذا يوجد مثل هذا الصمت؟

جذر النظرة الكونية

ببساطة يُمكن تعريف النظرة الكونيّة على أنّها الطريقة التي يُفكّر من خلالها البشر. فهي تلك الافتراضات والتصوّرات اللاواعية التي يمتلكها النّاس حول ماهيّتهم، وما تدور حوله الحياة، وكيف يعمل العالم. نحن نُسمّيها أيضًا “طريقة التّفكير” أو “المُعتقدات” أو “منظور الحياة”. فينبُع من خلال هذه النظرة الكونيّة قيمنا وحديثنا وسلوكنا. النظرة الكونيّة هي المصدر الجوهري/الجذري لكيفيّة رؤيتنا لأنفُسنا وكلّ الحياة

النظرة الكونيّة هي نظرة فرديّة، لكنّها أيضًا جماعيّة، فهي أصل الثقافة. وتُعرّف الثقافة على أنّها تلك الطُرق المُشتركة التي يرى بها مجموعة من النّاس العالم والمُعتقدات، ومن خلالها يُشكّلون قيمهم ويُحافظوا عليها، ويتحدّثون ويسلكون -بشكل عام- من خلالها ودون التفكير فيها. فقد نشأت الثقافات المُختلفة التي نراها اليوم في العالم من حولنا من نظرة كونيّة

الصمت

لذلك فإنّ الصمت عن دور النظرة الكونيّة هو صمت عن دور الثقافة في تشكيل ازدهار الإنسان والفقر

المثال التالي يرجع إلى بضع سنوات. حيث صدر مقال بالطبعة الأسيويّة من مجلة (نيو يورك تايمز) يُناقش العلاقة بين الصرف الصحيّ وسوء تغذية الأطفال في الهند. لقد كان مقالًا طويلًا، وقد أستشهد بخُبراء وأبحاث مُختلفة. إلّا أنّ في فقرةٍ واحدةٍ قصيرةٍ، صرّح المؤلّف في مُناقشته بشكل مُختصر، ولكنّه مُفاجئ عن أنّ الأطفال المُسلمين في الهند أكثر عُرضة بنسبة 17% للبقاء على قيد الحياة في سنّ الطفولة مُقارنة بالهندوس؛ وذلك بالرغم من أنّ المُسلمين بشكل عام هُم أفقر وأقلّ تعليمًا. وقد كشف تحليل صدر مؤخّرًا أنّ هذا الاختلاف الهائل في مُعدّل وفيات الرُّضّع يرجع إلى حقيقة أنّ المُسلمين أكثر عُرضة لاستخدام المراحيض

ونظرًا لأنّ المؤلّف ذكر هذا التمييز الثقافي بين المُسلم والهندوسي، فقد وصف أحد النقّاد هذه المقالة بأنّها “واحدة من أكثر القِطع السخيفة على الإطلاق وغير المعقولة، والتي توجّه اتهامات عُنصريّة ضدّ الهندوسيّة في الصحافة”

وردّ شخصٌ أخر

“من السهل جدًّا رؤية الأسباب الجذريّة التي تكمُن خلف هذه المُلاحظة والتي تتمثّل في: الكثافة السكانيّة العالية جدًّا -خاصةً في المُدن- والفقر وانهيار البينة التحتيّة، ووجود الفساد في جميع المستويات؛ والذي يظهر في اختلاس الأموال المُخصّصة لتحسين الأوضاع قبل القيام بأيّ شيء. هذا لا علاقة له بالدين أو الثقافة” (التشديد مُضاف)

هذا مُجرّد مثال واحد، لكنّه يعكس قضيّة واسعة في المُجتمع اليوم. هذا عزوف عن النظر إلى النظرة الكونيّة والاعتبارات الثقافيّة عند تحليل المُشكلات التي نواجهها اليوم. مرّة أخرى، لماذا يحدُث هذا؟

بعيدٌ عن الأنظار – بعيدٌ عن الفكر

أحد الأسباب هو أنّك لا تستطيع رؤية النظر الكونيّة. لا يُمكنك رؤية نظرتك ولا نظرة شخص آخر. وهذا لأنّ النظرة الكونيّة تُشبه مجموعة من النظارات الموضوعة في الذّهن. فإذا وضعت مجموعة من النظارات لن ترى العدسات الزجاجيّة الخاصة بها، بل سترى من خلالهم. وينطبق الشيء نفسه على النظرة الكونيّة. فلا يُمكن لأيّ شخص رؤية نظرتهم الكونيّة لأنّهم يرون من خلالها. النظرة الكونيّة هي العدسة الموجودة في عقلك، والتي من خلالها تفهم الحياة وتعقلها

مُكتسب – غير اختياري

ثانيًا، في الحقيقة لا أحد يختار النظرة الكونيّة. فالطفل لا يختار النظرة الكونيّة، ولكنّه يتشبّع بالنظرة الكونيّة التي نشأ عليها. فإذا ولِدتَ في عائلة من شعب الماساي في شمال تنزانيا، سوف تكتسب النظرة الكونيّة الخاصة بشعب الماساي. فهذه النظرة تُشكّل ثقافة شعب الماساي والتي تتخلّل كلّ أشكال الحياة وتتجلّى في السلوكيات الجماعيّة والبيئات الماديّة والطقوس الجماعيّة، والرموز المرئيّة والقصص والأساطير. بدورها، تُصبح هذه الثقافة نمطًا اجتماعيًّا مُعزّزًا ذاتيًا يوجّه النظرة الكونية وأفعال أعضائها من جيل إلى جيل. وعليه فإنّ النظرة الكونيّة تُشكّل ثقافة هذا الشعب، ومن ثمّ تدعم الثقافة هذه النظرة الكونيّة، وتنقلها إلى الجيل التالي. لذلك، أنت لا تختار نظرتك الكونيّة بل تكتسبها من الثقافة التي نشأت فيها

إنّها أمرٌ شخصيّ

ثالثًا، النظرة الكونيّة هي أمرٌ شخصيّ. فهي الطريقة التي تنبُع من داخل الفرد أو مجموعة من النّاس، والتي ينظُرون بها إلى العالم. نظرًا لأنّ النظرة الكونيّة هي شيء داخلي ويتخلّل الثقافة التي تُنتجها الخبرة الحياتيّة، فغالبًا ما يتمّ الخلط بين النظرة الكونيّة وهويّة الشخص أو المجموعة. لذلك، فإنّ التشكيك في النظرة الكونيّة لشخصٍ ما والقيم والسلوكيات التي تنبُع منها، يبدو وكأنّه هجوم على شخصيّته وهويّته

وذلك لأنّ النظرة الكونيّة هي شيء شخصيّ، وليست شيء يختاره الشخص، فهي مُكتسبة. قال لي صديق في العمل عندما كنتُ في زائير: عند الحديث عن النظرة الكونيّة كعامل في مُعالجة قضيّة الفقر، فهذا شيء أشبه بإلقاء اللّوم على الضحية. فحتّى التفكير في الأمر نفسه كان خطأ -غير أخلاقيّ

النظرة الكونيّة هي مقاومة للتغير

نظرًا لأنّ النظرة الكونيّة هي شيء غير مرئي ومُكتسب/غير مُختار وشخصيّ؛ فإنّها شديدة المقاومة للتّغيير والتأثُّر بالعوامل الخارجية

بعض الاستثناءات

بالرغم من أنّ مُحاولة تجنُّب دور النظرة الكونيّة والثقافة عند تحليل مشاكل الفرد أو المُجتمع هو بمسابة لمس زرٍّ ساخن

إلّا إنّه يوجد استثناءات لهذه القاعدة. ففي عالم الرياضة والأعمال، غالبًا ما يؤكّد القادة على دور الثقافة في تحقيق النجاح في مؤسّساتهم

فيشتهر خبير الأعمال “بيتر دراكر” بقوله: “الثقافة تأكل الإستراتيجيّة في وجبة الإفطار”. لقد رأى الشركات ذات الإستراتيجيات العظيمة تفشل رغم ذلك بسبب الثقافة

وفي عالم الرياضة، غالبًا ما يتحدّث المُدرّبون واللّاعبون عن أهمّية الثقافة. غالبًا ما قال “نيك سابان” الذي يقود برنامج كرة القدم الناجح للغاية بجامعة (ألاباما)، “إنّ المفتاح الحقيقيّ للفوز هو كلّ شيء يتعلّق بطريقة التفكير”. فهو يتحدّث عن توقعه أن يشتري لاعبيه، والثقافة هي التي ساعدت فريق ألاباما على النجاح عامًا بعد عام. وبالمثل، عندما يخسر فريق باستمرار، ستُثار قضية الثقافة قريبًا

في الرياضة والأعمال هناك شعور فطريّ بأنّ الثقافة مهمة

ومع ذلك، عندما يتعلّق الأمر بحلّ المُشكلات الفردية والمُجتمعية، فإنّ النظرة الكونيّة والثقافة، لا يتمّ أخذها في الاعتبار. نتيجةً لذلك، فإنّنا نحدّ من فهمنا لأسباب المُشكلة، ونحدّ من الحلول المُمكن طرحها. فتتمّ مُعالجة الأعراض ولكن لا تُقدّم مُعالجة للمُشكلات بشكلٍ جذريّ. مثل شجر الساسم في حديقتي، حيث تمّ مُعالجة المشاكل، ولكنّها ظهرت مرّة أخرى بطُرقٍ جديدة

ادخال عُنصر النظرة الكونيّة إلى المُعادلة

تتمثّل نقطة الانطلاق لفهم وتحليل النظرة الكونيّة في النظر إلى العلاقات الأساسيّة الثلاث التي تُشكّل الوجود البشريّ كلّه، وكيفيّة تعامُل النّاس مع هذه العلاقات. فكلّ فرد وثقافة، وكلّ فلسفة ودين لديه فهم لهذه العلاقات الثلاث، فلكل منهم إجابته. فتختلف الثقافات عن بعضها البعض، لأنّ كل منها لديها إجابات مُختلفة

العلاقات الأساسيّة الثلاث هي علاقة النّاس مع

 الله (أو ما يُفسّر كلّ شيء آخر)

أنفُسهم والآخرين (الإنسانيّة)

 العالم من حولهم

أوّلًا: مع الله. ما هي علاقتنا بالإله؟ فالإله هو ما يُفسّر كلّ شيء آخر في هذا الكون. هل هذا الإله هو شخص الله أم كائن إلهيّ أخر؟ هل هو وعي إلهيّ أم طاقة إلهيّة؟ أم أنّ المادة الفزيائية وحدها هي سبب كلّ شيء (بما في ذلك الوعي)؟

ثانيًا: مع أنفُسنا والآخرين. ماذا يعني أن نكون كائنات إنسانيّة؟ ما الذي يحدد طبيعتنا وغايتنا/هدفنا وهويتنا؟

ثالثًا: مع العالم. ما هي علاقتنا بالعالم الماديّ؟ ما هو مكان ودور البشر في هذا العالم؟

هذه هي الأسئلة الكُبرى التي تُشكّل بشكل جوهريّ شكل حياتنا وعائلاتنا ومُجتمعاتنا. ومع ذلك، فإنّنا في الواقع لا نُفكّر فيها، أو نسأل عنها، لأنّنا لسنا مُضطرين لذلك. فنحن نمتلك الإجابات بشكل مطبوع بداخلنا من خلال الثقافة التي نمتلكها -ثقافة عائلتنا ومُجتمعنا وأقراننا. فطفل من شعب الماساي سينظُر إلى علاقته مع الله، ومع نفسه والآخرين ومع العالم الذي يعيش فيه من خلال ثقافة شعب الماساي

تحليل النظرة الكونيّة وتأثيرها

إذن، كيف نبدأ في تحديد النظرة الكونيّة، وكيف تؤثّر على ازدهار الإنسان، والمشاكل التي تحِدّ من ذلك؟

تُعتبر نقطة البداية المُفيدة في إلقاء نظرة على كيفيّة إجابة الفلسفات والديانات المُختلفة على أسئلة العلاقة الثلاثة، ثمّ معرفة ما ينطبق على سياقك أو وضع الفرد أو المُجتمع الذي تخدمه. فسوف تجد أفكارًا مُختلفة ومعها تأتي نتائج مُختلفة من حيث القيم والسلوكيات. إليك رابط لجدول للنظرات الكونيّة التي قد تجده مُفيدًا للبدء في تفكيك أفكار النظرة العالميّة وكيفية اختلافها

هذا مثال من صديقنا “أرتورو كوبا” حول كيفيّة تأثير النظرة الكونيّة على الحياة اليوميّة. فقد نشأ في بلد يعتقد فيه الجميع أنّ العمل لعنة. كان هذا معروفًا في مُجتمعه وبين أصدقائه وعائلته. فقد عرِف الجميع أنّ العمل كان عقابًا من الله، ولكنّه وجِد على الأرض بسبب عصيان آدم وحواء. لذلك، كان يُنظر إلى العمل بحقّ على أنّه عمل شاقّ ومُهين وقمعيّ. لأنّ العمل كان عقابًا، فلن يكون هناك عمل في الجنّة. فالحياة الجيدة أو الحياة المرغوبة هي الحياة التي لا يوجد فيها عمل، فقط الاسترخاء واللّعب. ولأنّ الشخص يجب أن يعمل من أجل البقاء والحياة، فالشركات وأصحاب الأعمال هي أشياء ضروريّة الوجود. ومع ذلك، لأنّ العمل لعنة وظُلم، فإنّ العلاقة بين صاحب العمل والموظّف هي علاقة عدائيّة بشكلٍ طبيعي. صاحب العمل هو أداة العقاب والموظّف هو الشخص الذي يتحمّل العُقوبة

شهِدَ أرتورو تغيُّرًا جذريًّا في موقف الناس واستجابتهم تجاه العمل عندما أدركوا هذه الحقائق الأبديّة

أنّ الله خلق العمل قبل دخول الخطيّة إلى العالم

أنّ الله نفسه يعمل

 أنّ الله أعطى العمل للبشريّة كبركة

إذا كنّا نُريد حقًا مُساعدة الأفراد والمُجتمعات على الازدهار، فمن الأفضل أن ننظُر إلى سؤال النظرة الكونيّة – لكي نتجاوز صمت الواقع حيال النظرة الكونيّة

كيف نفعل ذلك؟ لا يقتصر الأمر على الوعظ للنّاس فحسب، بل مُساعدة الأفراد والمُجتمعات بصبرٍ على الربط بين المُعتقدات والنتائج المترتّبة عليها. بعد ذلك – أي بعد أن أدراك العلاقة- يجب أن ننطلق معهم نحو فهمٍ حقيقيّ لله، وأنفُسهم والعالم من حولهم – وهو الطريق سيقودهم إلى الشفاء والكمال

Leave a Reply

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

ما هي المرأة؟

المرأة تختلف عن الرجل. هذه الحقيقة، الواضحة لأي طفل، يتم الطعن فيها في الغرب اليوم، وهي تُعتبر تحديًا لا سبب ولا منطق ولا أُسس علميةٍ

...المزيد