شارك هذا المنشور

في خطابه الشهير «لديَّ حلم»، الذي ألقاه مارتن لوثر كينغ الابن في 28 أغسطس 1963، أمام مئات الآلاف المحتشدين في ساحة واشنطن، لم يكن يخاطب أولئك المجتمعين فحسب، بل كان يوجّه كلماته إلى جميع الأمريكيين، وإلى العالم بأسره.

وكما فعل وليام ويلبرفورس في جيل سابق، حين دعا العالم إلى أن يستفيق على الشر الأخلاقي المتمثل في العبودية والعنصرية، دعا الدكتور كينغ الولايات المتحدة والبشرية جمعاء إلى تكريم المبادئ التي وهبها الله للإنسان، وفي مقدمتها الكرامة والحرية.

وحين نسمح للحرية أن تدوي من كل قرية وكل تجمع سكاني، ومن كل ولاية وكل مدينة، سنتمكن من تعجيل ذلك اليوم الذي تتشابك فيه أيدي أبناء الله جميعًا: السود والبيض، اليهود والأمم، البروتستانت والكاثوليك، لينشدوا كلمات تلك الترنيمة الروحية القديمة للسود: «أخيرًا تحررنا! أخيرًا تحررنا! الحمد لله القدير، لقد تحررنا أخيرًا!»

حين استمعت إلى هذا الخطاب وأنا في التاسعة عشرة من عمري، هزّني من أعماقي. فقد شكّلت كلمات الدكتور كينغ مسار حياتي، ودفعتني نحو العمل الاجتماعي، وساعدتني على اكتشاف دعوتي الخاصة إلى مقاومة الفقر والدفاع عن كرامة كل إنسان. واليوم، حين أعود إلى قراءة كلماته، لا أزال أتأثر بها حتى تفيض عيناي بالدموع.

يمكن للمعاناة أن تكون فدائية

في هذا الخطاب المذهل، جعل الدكتور كينغ الأمة ترى بوضوح إخفاقاتها ونقائصها، وذكّرنا نحن الأمريكيين بضرورة الوفاء بالوعد الذي حملته وثائق تأسيس بلادنا. لكنه ذكّرنا أيضًا بأن الوفاء بذلك الوعد سيأتي بثمن من المعاناة، وأن هذه المعاناة يمكن أن تكون فدائية.

قال:

لست غافلًا عن أن بعضكم قد جاء إلى هنا بعد خوض محن وضيقات عظيمة. وبعضكم خرج لتوّه من زنازين السجن الضيقة. وبعضكم جاء من أماكن جعلتكم فيها مساعيكم من أجل الحرية محطمين تحت عواصف الاضطهاد، مترنحين تحت رياح وحشية الشرطة. لقد كنتم من قدامى المحاربين في المعاناة الخلّاقة. واصلوا العمل بإيمان أن المعاناة التي لم تستحقوها هي معاناة فدائية.

لقد استوقفتني عبارته القائلة: «المعاناة التي لم تستحقوها هي معاناة فدائية». فمن هذا النوع من المعاناة يمكن أن يولد شيء جديد، شيء يحمل الفداء والتجديد.

وهذا، في الحقيقة، يذكّرنا بعمل المسيح المكتمل. فمن آلامه على الصليب جاء الفداء للبشرية جمعاء. فالمعاناة التي لا يستحقها الإنسان، سواء اختارها طوعًا أم وقعت عليه قسرًا، يمكن أن تحمل في طياتها عنصرًا فدائيًا.

لقد احتمل المسيح المعاناة الفدائية، وقدم لنا نموذجًا لها، ودعانا إلى أن نعيش حياةً تتضمن هذا النوع من المعاناة.

وَدَعَا ٱلْجَمْعَ مَعَ تَلَامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ ٱلْإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. لِأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ ٱلْإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ٱلْإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟»

مرقس 8: 34-37

المعاناة في سبيل العدالة

نحن مدعوون إلى اتباع يسوع، وإلى أن نحتمل طوعًا ما قد يقع علينا من إساءة، لأن احتمال تبعات خطية ارتكبها شخص آخر يمكن أن يفتح طريقًا إلى الفداء. ونحن مدعوون أيضًا إلى الوقوف إلى جانب أولئك الذين يتعرضون للظلم.

والمعاناة الفدائية لها حضور راسخ في التقليدين الكاثوليكي والبروتستانتي. عند التقليدين البروتستانتيين، تُعرَّف بأنها المعاناة التي يختار الإنسان أن يحتملها طوعًا في سبيل العدالة، وفي إطار السعي إلى مكافحة المرض.

كما أن للكنيسة الكاثوليكية تقليدًا عريقًا في فهم المعاناة الفدائية؛ إذ ينص التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية على ما يلي:

لقد احتمل يسوع الألم نيابةً عنا. وانطلاقًا من تأثره الشديد بالمعاناة، لم يكتفِ المسيح بالسماح للمرضى بلمسه، بل حمل مآسيهم على عاتقه: «هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا». لكنه لم يشفِ جميع المرضى. فقد كانت معجزات الشفاء التي أجراها علاماتٍ على مجيء ملكوت الله، وإعلانًا عن شفاءٍ أعمق وأشمل: الانتصار على الخطيئة والموت من خلال موت المسيح وقيامته. وعلى الصليب، حمل المسيح ثقل الشر كله، وأزال «خطيئة العالم»، التي لا يُعد المرض سوى إحدى عواقبها. وبآلامه وموته على الصليب، أعطى المسيح للمعاناة معنى جديدًا؛ إذ أصبحت منذ ذلك الحين وسيلة لتشكيلنا على صورته، ولتوحيدنا مع آلامه الفدائية.

يمكننا أن نحمل طوعًا ثقل الظلم في حياتنا وفي أجسادنا، وهو اختيار قد يقود إلى فعل فدائي. كما يمكننا، في أحيان أخرى، أن نضع ثقل الظلم على عاتق الطرف المسؤول عنه، وأن نلزمه بتحمل تبعات الظلم الذي ألحقه بنا.

المعاناة مع «هؤلاء الأصاغر»

لقد حمل المسيح ثقل خطايانا لكيلا نتحمل نحن ثمنها. وهكذا، فإن المعاناة الفدائية تعني أن يحمل الإنسان تبعات خطية ارتكبها شخص آخر. ولهذا الأمر أثر فدائي في حياة المؤمن؛ فهو خطوة في طريق النمو نحو الغاية التي عبّر عنها يعقوب بقوله إننا نصير «تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ».

كما أن هذا النوع من المعاناة يتيح لمن ارتكب الظلم فرصة للتغيير، ولإصلاح ما أفسده، وهو صدى صغير، لكنه قوي، للفداء الذي يقدمه المسيح للإنسان الخاطئ.

في إنجيل متى 25: 40-45، يقف جميع البشر أمام كرسي دينونة المسيح، فيفصل بين الخراف، الذين يقول عنهم: «تعالوا يا مباركي أبي»، وبين الجداء، الذين يقول لهم: «اذهبوا عني يا ملاعين». وترث الخراف الملكوت، بينما تمضي الجداء إلى «النار الأبدية». وما هو الفاصل بين الخراف والجداء؟ إنه الرحمة. فالذين تألموا مع «هؤلاء الأصاغر» وشاركوهم آلامهم، ينظر إليهم يسوع باعتبارهم خرافًا.

فَيُجِيبُ ٱلْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمُ: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ ٱلْأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ».

ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ ٱلْيَسَارِ: «ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلَاعِينُ إِلَى ٱلنَّارِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ، لِأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي».

حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: «يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟»

فَيُجِيبُهُمْ قَائِلًا: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هَؤُلَاءِ ٱلْأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا».

من خلال الضيقات ندخل ملكوت الله

يكتب لوقا عن المعاناة الفدائية في تاريخ الكنيسة الأولى، فيقول في أعمال الرسل 14: 22:

«… يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ ٱلتَّلَامِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي ٱلْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ».

فمن خلال ضيقة المسيح ندخل ملكوت الله، وكثيرًا ما تكون ضيقاتنا نحن أيضًا جزءًا من الصورة. إن تبريرنا قائم على عمل المسيح المكتمل وحده، لكن بولس يحثنا قائلًا: «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة». وغالبًا ما تتطلب عملية التقديس المرور عبر النار، وأحيانًا يكون ذلك من خلال معاناة لا نستحقها. وهذه المعاناة يمكن أن تكون فدائية.

اترك تعليقاً

هل اعجبك هذا الموضوع؟

اشترك في مدونة اتحاد تلمذة الأمم وتوصل بالتحديثات مباشرة على البريد الالكتروني الخاص بك

نقترح عليك ايضا

المنظور العالمي

المعاناة الفدائية: دعوة المسيحي

في خطابه الشهير «لديَّ حلم»، الذي ألقاه مارتن لوثر كينغ الابن في 28 أغسطس 1963، أمام مئات الآلاف المحتشدين في ساحة واشنطن، لم يكن يخاطب

...المزيد